الغزالي
77
إحياء علوم الدين
ومنزّه عن الأقطار والجهات ، وأنه ليس داخل العالم ولا خارجه ، ولا هو متصل بالعالم ولا هو منفصل عنه ، قد حير عقول أقوام حتى أنكروه إذ لم يطيقوا سماعه ومعرفته . بل ضعفت طائفة عن احتمال أقلّ من هذا ، إذ قيل لهم إنه يتعاظم ويتعالى عن أن يكون له رأس ، ورجل ، ويد ، وعين ، وعضو ، وأن يكون جسما مشخصا له مقدار وحجم ، فأنكروا هذا وظنوا أن ذلك قدح في عظمة الله وجلاله ، حتى قال بعض الحمقى من العوام : إن هذا وصف بطيخ هندى لا وصف الإله ، لظن المسكين أن الجلالة والعظمة في هذه الأعضاء ، وهذا لأن الإنسان لا يعرف إلا نفسه ، فلا يستعظم إلا نفسه . فكل ما لا يساويه في صفاته فلا يفهم العظمة فيه . نعم غايته أن يقدر نفسه جميل الصورة ، جالسا على سريره وبين يديه غلمان يمتثلون أمره ، فلا جرم غايته أن يقدّر ذلك في حق الله تعالى وتقدس حتى يفهم العظمة . بل لو كان للذباب عقل وقيل له ليس لخالقك جناحان ، ولا يد ، ولا رجل ، ولا له طيران لأنكر ذلك وقال : كيف يكون خالقي أنقص منى ! أفيكون مقصوص الجناح ، أو يكون زمنا لا يقدر على الطيران ، أو يكون لي آلة وقدرة لا يكون له مثلها وهو خالقي ومصوّرى وعقول أكثر الخلق قريب من هذا العقل ، وإن الإنسان لجهول ظلوم كفار . ولذلك أوحى الله تعالى إلى بعض أنبيائه : لا تخبر عبادي بصفاتى فينكرونى ، ولكن أخبرهم عنى بما يفهمون ولما كان النظر في ذات الله تعالى وصفاته مخطرا من هذا الوجه ، اقتضى أدب الشرع وصلاح الخلق أن لا يتعرض لمجاري الفكر فيه . لكنا نعدل إلى المقام الثاني ، وهو النظر في أفعاله ، ومجاري قدره ، وعجائب صنعه ، وبدائع أمره في خلقه ، فإنها تدل على جلاله وكبريائه ، وتقدسه وتعاليه ، وتدل على كمال علمه وحكمته ، وعلى نفاذ مشيئته وقدرته فينظر إلى صفاته من آثار صفاته . فإنا لا نطيق النظر إلى صفاته ، كما أنا نطيق النظر إلى الأرض مهما استنارت بنور الشمس ، ونستدل بذلك على عظم نور الشمس بالإضافة إلى نور القمر وسائر الكواكب ، لأن نور الأرض من آثار نور الشمس ، والنظر في الآثار يدل على المؤثر دلالة ما ، وإن كان لا يقوم مقام النظر في نفس المؤثر . وجميع موجودات الدنيا أثر من آثار قدرة الله تعالى ، ونور من أنوار ذاته ، بل لا ظلمة أشد من العدم ، ولا نور أظهر من الوجود ، ووجود الأشياء كلها نور من أنوار ذاته تعالى وتقدس ، إذ قوام وجود الأشياء